عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

524

اللباب في علوم الكتاب

« الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ » ويكون المعنى : أن الرّسول آمن بكلّ ما أنزل إليه من ربّه ، وأمّا المؤمنون فإنّهم آمنوا باللّه وملائكته وكتبه ورسله . فالوجه الأول يشعر بأنه - عليه السّلام - ما كان مؤمنا بربّه ، ثم صار مؤمنا به ، ويحتمل عدم الإيمان إلى وقت الاستدلال . وعلى الوجه الثاني يشعر اللّفظ بأنّ الّذي حدث هو إيمانه بالشّرائع التي نزلت عليه ؛ كما قال - تعالى - ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ [ الشورى : 52 ] فأمّا الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال ، فقد كان حاصلا منذ خلق من أوّل الأمر ، وكيف يستبعد ذلك مع أنّ عيسى - عليه الصّلاة والسّلام - حين انفصل عن أمّه ، قال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ [ مريم : 30 ] فإذا لم يبعد أن يكون عيسى رسولا من عند اللّه حين كان طفلا ، فكيف يستبعد أن يقال : إن محمّدا كان عارفا بربّه من أوّل [ ما ] خلق كامل العقل . فصل [ في دلالة الآية على أن الرسول آمن بما أنزل إليه من ربه ] دلّت الآية على أنّ الرّسول آمن بما أنزل إليه من ربّه ، والمؤمنون آمنوا باللّه وملائكته وكتبه ورسله ، وإنما خصّ الرّسول - عليه الصّلاة والسّلام - بذلك ؛ لأنّ الذي أنزل إليه من ربّه قد يكون كلاما متلوّا يسمعه الغير ويعرفه ، فيمكنه أن يؤمن به ، وقد يكون وحيا لا يعلمه سواه ، فيكون - عليه الصّلاة والسّلام - مختصّا بالإيمان به ، ولا يتمكّن غيره من الإيمان به ، فلهذا السّبب كان الرّسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - مختصّا في باب الإيمان بما لا يمكن حصوله في غيره . قوله تعالى : « وَالْمُؤْمِنُونَ » : يجوز فيه وجهان : أحدهما : أنه مرفوع بالفاعلية عطفا على « الرّسول » - عليه الصّلاة والسّلام - فيكون الوقف هنا ، ويدلّ على صحّة هذا قراءة عليّ بن أبي طالب - كرم اللّه وجهه - : « وآمن المؤمنون » ، فأظهر الفعل ، ويكون قوله : « كلّ آمن » جملة من مبتدأ وخبر يدلّ على أنّ جميع من تقدّم ذكره آمن بما ذكر . والثاني : أن يكون « المؤمنون » مبتدأ ، و « كلّ » مبتدأ ثان ، و « آمن » خبر عن « كلّ » وهذا المبتدأ وخبره خبر الأوّل ؛ وعلى هذا فلا بدّ من رابط بين هذه الجملة وبين ما أخبر بها عنه ، وهو محذوف ، تقديره : « كلّ منهم » وهو كقولهم : « السّمن منوان بدرهم » ، تقديره : منوان منه ، قال الزمخشريّ : « والمؤمنون إن عطف على الرسول ، كان الضمير الذي التنوين نائب عنه في « كلّ » راجعا إلى « الرّسول » - صلّى اللّه عليه وسلّم - و « المؤمنون » أي : كلّهم آمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله من المذكورين . ووقف عليه ، وإن كان مبتدأ كان الضمير للمؤمنين » .